ابن الوزان الزياتي
232
وصف افريقيا
يجري في قناة صغيرة قاعها وحوافيها مبلطة بالرخام وبالمايورقي . وفيه ثلاثة أروقة مسقوفة تتحلى بجمال لا يتصوره العقل تقوم حولها أعمدة مثمنة الأضلاع ومثبتة بالجدران ، أعمدة منمقة بألوان متباينة . والقناطر الواقعة بين الأعمدة مسكوّة بالفسيفساء وبالذهب الصافي وباللازورد . والسقف من خشب مجزع مصنوع صنعا منظما جميلا . وقد أقيم بين هذه الأروقة والصحن شبك من خشب على شكل ستائر خشبية ، بحيث لا يرى الذين هم في الصحن الأشخاص الموجودين في الغرف المطلة على هذه الأروقة . وجميع الجدران على ارتفاع قامة رجل وامتداد يديه ، مكسوّة أيضا بالبلاط المربع المايورقي . هذا وقد نقشت على كل كسوة هذه الجدران من البلاط في سائر المعهد كتابات شعرية تروي تاريخ تأسيس المعهد والعديد من المدائح في هذه البناية وبانيها الملك أبي عنان . وقد كتبت هذه فوق البلاطات المايورقية بحروف كبيرة سوداء فوق أرضية بيضاء مما يتيح قراءتها من مسافة بعيدة نوعا ما . وكل أبواب المعهد من البرونز المنقوش بدقة مع كثير من التزيينات ، كما أن أبواب الغرف من خشب منقوش . وفي القاعة الكبرى المخصصة للصلاة يوجد منبر ذو تسع درجات ، مصنوع برمته من خشب الأبنوس ومن العاج ، وكأنه قطعة من أثاث رائعة حقا . ولقد سمعت من أفواه عدد من أساتذة هذا المعهد ، الذين يؤكدون أنهم سمعوا روايته من أساتذتهم ، أن الملك أبا عنان أراد ، عند الفراغ من بناء هذا المعهد ، رؤية سجل النفقات التي تكلفها هذا البناء . وما كاد يتصفح بضع وريقات حتى وجد مجموعا يقارب أربعين ألف دينار ، فأخذته الدهشة ، وعمد دون أن يتابع القراءة ، إلى تمزيق السجل ، ورماه في القناة التي تخترق المدرسة وهو يردد بيتين من الشعر لأحد شعرائنا اللذين يعبران عن هذه الحكمة : الشيء الغالي والجميل ليس غاليا ومهما دفع الانسان فيما يعجب ، فإن ما دفعه يقصر دائما عن قيمته . وكان يمسك بحساب هذه النفقات خازن يدعى ابن الحاج ، ويروي أن مجموعها ارتفع إلى أربعمائة وثمانين ألف دينار . ولكل مدارس فاس الأخرى بعض الشبه مع هذه . ويوجد في كل معهد أساتذة من مختلف العلوم . فهذا يعطي درس الصباح ، وذلك